عدد الزيارات: 104
0 تعليقات

مبشّر الحرمين


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 09‏/01‏/2026 هـ 21-07-1447

هل فكرت يومًا في المصير المحبط الذي ينتظر من يبيع الماء في حارة السقائين؟

من المؤكد أنه سيشرب من بئر الإحباط حتى الثمالة!!

هكذا سيكون حاله حتى إن كان يعرض عليهم ماءً صالحًا..

فكيف يكون حاله إن كان يبيعهم ماءً فاسدًا وهم يمتلكون أجود ماء في الوجود؟!

هذا بالضبط ما حدث لبطل قصتنا إيفور إيويس المبشر النصراني الذي سوّلت له نفسه التبشير في أرض الحرمين حيث مهبط الوحي ومبعث الرسالة المحمدية!

ولد إيفور إيويس في سيريلانكا وترعرع في بيئة نصرانية حيث رباه أبوه على حب الكنيسة والعمل لها.. تلقَّى دراساته الدينية النصرانية على أيدي قساوسة تعلم منهم لمَ يُكنُّ العداء للإسلام والمسلمين وكيف.. دخل الجامعة لدراسة التجارة والاقتصاد جنبًا إلى جنب مع اضطلاعه بمهمة التنصير على مدرجات الجامعة وسط الطلاب المسلمين.

قدم إيفور اقتراحًا في الكنيسة مفاده التبشير بالنصرانية في بلاد المسلمين وبالتحديد في بلاد الحرمين!!

أحدث هذا الاقتراح جدلًا واسعًا بين القساوسة الذين عارضوا الأمر بشدة، وحاولوا تخويفه بقولهم إن عقوبة مرتكب هذا الأمر الموت الزؤام؛ حيث يُقطع رأسه على مرأى من الناس.. أصر إيفور على تنفيذ اقتراحه مهما كان الثمن الذي سيدفعه مقابل ذلك، ودفعته إلى ذلك رغبته الملحّة في اكتشاف عالم المسلمين المجهول الذي لم يعرف عنه إلا ما قرأه في قصص ألف ليلة وليلة، هذا إلى جانب ما كان لديه من فضول لمعرفة علاقة الهلال بالمسلمين، فضلًا عن رغبته الملحاحة في معرفة مدى تقبل المسلمين لعقيدة التثليث.

يصرح إيفور بأن من الأمور التي زادت من عدم فهمه للإسلام دور الهلال في حياة المسلم، وهنا يقول: "كنت أسمع أن الهلال الذي يعد رمزًا للمسلمين مهمٌّ في حياتهم، وكثير ممن يشرح دور الهلال في حياة المسلم يشبهه بالصليب عند النصارى؛ فالمسلم يصوم إذا رأى الهلال، ويفطر إذا رآه مرة أخرى، ويصوم إذا اكتمل البدر، ويحدد مواقيت الحج بالهلال، ويوضع على المنابر في المساجد، ما جعلني أعتقد جهلًا أن الهلال هو المعبود وليس الله تعالى"!

ذهب إيفور إلى مكاتب التوظيف بحثًا عن وظيفة بالمملكة العربية السعودية فوجد وظيفة مأمور مستودع في شركة عربية في بلاد الحرمين.. في فترة وجيزة وفي أوائل عام 1983م أنهى إجراءات السفر، واستقل الطائرة في طريقه لتنفيذ مخططه العجيب.. كان يأمل أن يمارس نشاط التنصير بأرض الحرمين لكي يرضي الكنيسة، ولكي يثبت للقساوسة مدى صحة فرضيته ومن ثم يزهو ويفتخر بقدراته الهائلة على الإقناع.

كان إيفور يعتقد أن المسلمين في أرض الحرمين يشبهون المسلمين في بلاده حيث التهاون في أداء العبادات وعدم التفريق بين الحلال والحرام.. لكنه اندهش بشدة حينما وجد أن هناك فرقًا شاسعًا بين المسلمين في بلاده سيريلانكا والمسلمين في أرض الحرمين فتوصل إلى قناعة تامة مفادها أن المهمة ليست بالسهولة التي كان يتصورها كما عرف السر الكامن وراء الخوف الشديد الذي يبديه سدنة الكنيسة وقساوستها من الإسلام.

تغيرت نظرة إيفور لدينه ودين قومه عندما رأى مظاهر الالتزام وسط المسلمين بدينهم الأمر الذي أفقده رغبته الجامحة والمستعرة للتنصير، ليس هذا فحسب بل أصبح ينظر للمسلمين نظرة إعجاب وتقدير مقابل نظرة احتقار لذاته ومعتقده ولقومه.. بدأ الشك يساوره مرة أخرى في النصرانية التي أحس بأنها بعيدة كل البعد عن الطريق المستقيم.

برغم نشاطه التبشيري المكثف ووصوله مرتبة كبير أساقفة الكنيسة فإنه لم يكن يشعر بالراحة النفسية حيث توصل إلى حقيقة أن النصرانية لم تشبع روحه التواقة لنور الحق فأخذ يبحث في غيرها من العقائد.. في البدء جرب الهندوسية لكنه لم يجد فيها ما كان يبحث عنه إذ وجدها تشتمل على أسرار وطقوس هلامية لا تستقيم مع صفاء النفس وتعلقها بالله.. جرب الشيوعية وقرأ كتبها ودرس مبادئها، لكنه وجدها كسابقتها لا تشفي حاجته الروحية.. أصابته الحيرة وشعر بالألم يخنق صدره ويعتصر قلبه..

تيقن من حقيقة أن العقيدة النصرانية لا تلبّي حاجة النفس ولا توازن بين الفرد والمجتمع، بل لا توازن بين الدنيا والآخرة؛ فأتباعها يعانون خواءً روحيًّا ونقصًا في الجانب العبادي، لأنهم لا يوحدون الله بالعبادة؛ ففي النصرانية أسرار لا يسمح للفرد العادي أن يعرفها، كما أن بها نظامًا طبقيًّا عجيبًا: فالسدنة أعلى مرتبة من القساوسة، وهؤلاء الأخيرين يختلفون عن العامة من أفراد الطائفة النصرانية، بالتالي تجد أن النصراني في خضم هذا المشروع الطبقي المريع ينسى ربه ويتعلق بالقسيس أملًا في صفح ومغفرة لا يمكن الحصول عليهما إلا عبره لأنه هو الذي يصفح، ويغفر؛ لا لشيء إلا لأنه هو الوسيط بين الله وعباده!!

لقد فقد إيفور الثقة بالعقيدة النصرانية تمامًا عندما رأى الإسلام على حقيقته في بلاد الحرمين مهبط الوحي.. ومن الأشياء التي لفتت انتباه إيغور مدى تعظيم المسلمين للقرآن الكريم وملاحظته أنهم لا يلمسونه إلا إذا كانوا متطهرين، ولا يسمحون لغير المسلم بلمسه فضلًا عن قراءته، كما وجدهم يطبقون بعض الأحكام عند قراءة القرآن، بل لاحظ أنهم يحسنون أصواتهم عند قراءته، ويشعرون بأنهم يعظمون الله تعالى ويتعبدونه بتلاوته.. في المقابل تذكر أنهم في النصرانية لا يتعاملون مع الإنجيل بذات القدر الذي يفعله المسلمون مع القرآن حيث كانوا لا يقيمون لهذه الأحكام وزنًا، كما أنه لا يهمّهم من يقرأ الإنجيل، وعلى أي حالة كان، بل لا يقيمون له قداسة ولا تعظيمًا؛ إذ يمكنهم أن يأخذوه إلى المرحاض كما أنهم يهجرونه، ولا يؤمنون بمعظم ما فيه.

انبهر إيفور بتعظيم المسلمين للقرآن فشعر برغبة شديدة في قراءته والبحث في مضمونه عساه يجد فيه بعضًا من المتناقضات التي ينضح بها الكتاب المقدس.. لم يعثر على نسخة مترجمة للقرآن، ولم يجد من يعيره نسخته؛ فهو في نظرهم كافر لا يجوز له أن يلمس القرآن.. مضت أيام وهو على هذه الحالة لديه رغبة شديدة في قراءة القرآن وصعوبة أشد في الحصول على نسخة مترجمة منه.

وفي إحدى الليالي دعاه مهندس باكستاني لتناول طعام العشاء في منزله؛ فقد كان يظن أنّها آخر ليلة له في مدينة المجمعة السعودية؛ إذ كان قد قرر السفر في صبيحة اليوم التالي إلى أهله بصورة نهائية.. وأثناء تناولهم للعشاء لمح إيغور نسخة مترجمة لمعاني القرآن إلى الإنجليزية فطلب من المهندس الباكستاني أن يعيره إياها، ففعل.. لم يصدق بطل قصتنا حقيقة أنه حصل على ضالته المنشودة فكاد يطير من الفرح حتى لم تعد له شهية في الأكل أو الشرب، فقط كان يريد في إلحاح أن يتصفح القرآن، ويعرف ما فيه.. في تلك اللحظة بدأت فكرة البحث عن المتناقضات تعاوده مرة أخرى، وبدأ الشيطان يعده ويمنيه بدنو حصوله عليها.

خرج إيغور من منزل المهندس على عجل وذهب إلى بيته.. وما أن دخل غرفته حتى سارع في قراءة النسخة المترجمة للقرآن بلهفة.. قرّر إالغاء سفره إلى أجل غير مسّمى والاعتكاف على قراءة القرآن.. هذا الكنز العظيم الذي بين يديه.. شعر بقشعريرة في جسمه عندما وجد أن أول ما قرأه: (بسم الله الرحمن الرحيم).. فهو قرأ كل الكتب المقدسة من الإنجيل إلى التوراة إلى كتب الأديان الأخرى ولكنه لم يجد كتابًا غير القرآن يبدأ باسم الله.. يقول بطل قصتنا إن للبسملة معنى استقر في قلبه؛ فهذه أول مرة في حياته يقرأ البسملة فتركت هذه القراءة في نفسه أثرًا عجيبًا، ودفعته إلى أن يقرأ القرآن بتمعن صادق وقلب مفتوح.

عندما قرأ سورة الفاتحة كاملة فُتح قلبه على مصراعيه إذ وجدها تتحدث عن ذات ما قاله عيسى -عليه السلام- لأصحابه عندما أرادوا أن يعرفوا كيف يحيُّون الإله، فقال لهم أن يحمدوه ويمجدوه ويدعوه.. شعر بالنور ينساب إلى داخل قلبه منه وتسرب إلى بقية جوانحه كلها، فأضاءها بفيض طيب جعله يتذوق طعم السعادة، والإيمان لأول مرة في حياته كيف لا وهو يقرأ كلام الله تعالى.

انتقل بعدها إلى قراءة سورة البقرة.. انبهر بالآيتين الأولى والثانية اللتين وجد معناهما في كل الكتب المقدسة التي قرأها: (الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة: 1-2) .. الفرق المدهش أن معناهما كان يأتي في ختام تلك الكتب عقب انتهاء المقاطع والتعاليم الدينية والقصص والمواعظ أما في هذا الكتاب فوجد هذا المعنى الكريم يأتي في أول القرآن ليعلن للعالمين أن هذا الكتاب العظيم لا ريب ولا نقص فيه! من يملك مثل هذه الثقة غير الله الواحد الأحد؟!!

عندما وصل في قراءته إلى الآية الرابعة من سورة البقرة: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة: 4)، تزلزل ما بقي في قلبه من شك، إذ أزالت هذه الآية كل ما فيه من تساؤلات.. بل جعلت قلبه وعقله ينفتحان على مصراعيهما ويعترفان بأن هذا الدين حق، وأن الذي أنزل القرآن هو المعبود المستحق للعبادة وحده بلا شريك.. توصل إلى ضرورة الإسراع بممارسة العبادة الصحيحة.. تذكر قول المسيح -عليه السلام- إنه سيأتي بعدي من يقودكم إلى الحق والهدى؛ قال في نفسه: إذًا هذا هو الحق والهدى الذي بشر به عيسى -عليه السلام-.

قال في نفسه: أنا الآن مسلم، دون أن يعرف ذلك سواي أحد سوى الله تعالى، بالتالي عليَّ أن أصلي وأمارس الإسلام، ولكن يجب عليّ أن أتطهر قبل الصلاة، ولكنني لا أعرف كيف يتطهر المسلمون؟

عندما دخل وقت أول صلاة بعد اعتناقه الإسلام الذي لا يعلم به سواه غير الله تعالى، وما أن سمع المؤذن ينادي للصلاة حتى قام بخلع ملابسه كلها وغسل جسده ثم دخل المسجد لأول مرة، ووقف في صف الصلاة يقلد مَنْ على يمينه وشماله إلى أن انتهت الصلاة وعاد إلى بيته ينتابه إحساس من امتلأ قلبه.. أحس براحة شديدة فهذه هي أول مرة في حياته يشعر فيها بقيمة العبادة ويتذوق طعم الإيمان.. أخذ إيغور يكتب كل ما يسمعه من الإمام ويحاول أن يردد كل ما يقوله.. وبقي على هذه الحالة لمدة يومين وهو يغتسل كما يقول غسلًا كاملًا خمس مرات في اليوم الواحد.. في اليوم الثالث تفاجأ بالإمام يمسك به من يده ويعاتبه لأنه لا يصلي في المسجد وهو جاره (أي جار المسجد) فقد كان مظهره وهو ملتحٍ يوحي بأنه مسلم قديم.. برر له تقصيره بأنه مسلم جديد وأنه اعتنق الإسلام حديثاً ففرح به الإمام كما فرح به الآخرون.

بقي إيغور على حاله لعدة أيام وهو يغتسل قبل كل صلاة إلى أن زار مكان عمله رجلان من خارج المدينة وكان وقت الصلاة قد حان.. طلب منه الرجلان أن يأذن لهما بالدخول إلى المرحاض للوضوء استعدادًا للصلاة، فقال لهما: "لا" وأرشدهما إلى مكان مفتوح يصلح للوضوء.. غضب منه الرجلان بشدة لأنهما لم يكونا على علم من أنه فعل ذلك لكي يتعلم منهما كيفية الوضوء بالمشاهدة.. وبعد أن أتمّا وضوءهما، توضأ إيغور مثلهما، فأدهشهما هذا النصراني الذي يتوضأ مثلهما تمامًا!! بعدها أخذ يتعلم الواجبات وأركان الدين والعبادات حرصًا منه على أن يصل مرحلة المسلم المثالي الذي لا يفرّط في أمر من أمور الدين.

وفي يوم لا ينسى أخذه الإمام إلى مدير المعهد العلمي في مدينة المجمعة الذي أهداه عددًا من الكتب المترجمة باللغة الإنجليزية، وأخبره أن لديه مستودعًا للكتب بمختلف اللغات الأجنبية.. أخذ إيغور الكتب وقرأها ثم بدأ مشروع الدعوة إلى الإسلام من خلالها، عقب ذلك قام بإعداد فريق من الدعاة يدعون إلى الإسلام وسط غير المسلمين وقد وفقهم الله تعالى في هداية كثير من الناس في منطقتهم والمناطق المجاورة لها.

من خلال تجربته في مجال التنصير عرف إيغور حقيقة أن المسلم المتمكن من عقيدته العارف بالواجبات يتعذر على المنصرين إقناعه أو خلخلة عقيدته، بالتالي لا يدخل في العقيدة النصرانية إلا أولئك الذين ليس لهم حظ من العلم بالدين وهؤلاء قلة.. وعلى الصعيد ذاته أشار إيغور إلى أمر خطير أخذ يعمل به الدعاة إلى النصرانية في الآونة الأخيرة إذ بدؤوا يستخدمون أسلوبًا خبيثًا يتمثل هذا الأسلوب في قبولهم المسلمين ليعيشوا بينهم، بل يقدمون لهم العديد من المغريات مثل المرتبات العالية والمساكن المؤثثة، بل يسمحون لهم ببناء المساجد وإقامة الشعائر الدينية، ولا يمنعونهم من مزاولة ما يريدون تحت شعار الحرية الدينية، لكنهم في حقيقة الأمر يخططون لتنصير أبنائهم وبناتهم من خلال تثقيفهم بالثقافة الغربية التي لا تخلو من بعض المعتقدات النصرانية.

نختتم هذه القصة بالإشارة إلى أهمية ما حذر منه بطل قصتنا من الأسلوب الجديد في التنصير الذي أثبت نجاحه بدرجة مخيفة.

ولكن.. لا خوف على الإسلام.. لا خوف على القرآن.. دين الله وكلامه الكريم..

هو الحافظ لدينه والقرآن كلامه سبحانه..

ما يحفظه الله لا يهدمه بشر!!

احفظوا أنتم أنفسكم فقط!!

اتبعوا فطرتكم التي فطركم الله عليها..

تحرروا من الرقّ.. رقّ الكفر والضلال..

اسعدوا بالحرية.. واسألوا الله الهداية.. فبالله نهتدي إلى الله.

--------------------------------------------------------------------

المصادر:

مقال بعنوان: "من الظلمات إلى النور: قصة إسلام قس نصراني"؛ استرجع بتاريخ 10 أغسطس 2017، من موقع: http://forum.7ail.net

مقال بعنوان: "منصرون وقساوسة شرح الله صدورهم للإسلام"؛ استرجع بتاريخ 3 يونيو 2017، من موقع الشبكة النسائية العالمية: www.fin3go.com

 

0 تعليقات 88 تحميل

تعليقات (0)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.

يرجى تسجيل الدخول لإرسال التعليق.